السيد عباس علي الموسوي

86

شرح نهج البلاغة

الرَّحْمنُ وَلَداً سبُحْانهَُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يسَبْقِوُنهَُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بأِمَرْهِِ يَعْمَلُونَ . . . فقد رد اللّه على الذين قالوا : إن الملائكة بنات اللّه بهذه الآية التي ترفع من شأن الملائكة فتجعلهم مشمولين لكرامة اللّه ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به فكل أقوالهم طاعة وهم بأمره يعملون لا يخالفونه ولا يعصونه . وبعبارة أخرى : إنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله فلا يسبق قولهم قوله وعملهم فرع عن أمره . . . ( جعلهم اللّه فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه ) . نعم جعلهم اللّه مستحقين لحمل الأمانة التي هي وحيه بحيث لا يجري في حقهم خيانة أو سهو وقد جعلهم اللّه وسائط ينقلون إلى المرسلين من الأنبياء ما أراد اللّه إيداعه عندهم من أمر أو نهي ، فهم الوسطاء في حمل الوحي إلى الأنبياء وتبليغهم مراد اللّه سواء كان أمرا أم نهيا وهذه المرتبة كانت لهم لخصوصية فيهم جعلها اللّه وهي أنهم ينقلون الأمانة بصدق وأمانة كما هي بدون زيادة أو نقصان . . . ( وعصمهم من ريب الشبهات فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته ) . فكل الملائكة معصومون من الشك والشبهة والانحراف عن سبيل اللّه وذلك لأن هذه الأمور إنما تحصل من النفس الأمارة بالسوء التي تقود صاحبها إلى ذلك والملائكة ليس فيها إلا العقل ودواعي الخير فهي بطبيعتها لا تقبل الانحراف عن سبيل اللّه وطاعته . ( وأمدهم بفوائد المعونة وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة ) . وهذه من عنايات اللّه بالملائكة أنه سبحانه أمدهم بما فيه الإعانة على الطاعة والتزام أمر اللّه من حيث خلق لهم طبائع لا تقبل غير التقرب منه . كما أنه جعل قلوبهم ملازمة للخشوع والتواضع التي هي نتيجة الخوف منه أو يكون المراد أنه أعلمهم ذلك . . . ( وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده ) . والأبواب السهلة التي فتحها اللّه للملائكة كي يمجدونه بأنواع التعظيم والثناء هي ما خلق فيهم من دواعي الطاعة بحيث أن أنفسهم مجبولة على مرضات اللّه ولا تقبل غير ذلك . . . ( ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده ) . وضع لهم أدلة وبراهين جلية واضحة على أنه اللّه الواحد الأحد ، وذلك بما أودعه فيهم من العقل الكامل الذي يهتدي به الإنسان إلى اللّه وتوحيده فضلا عن الملائكة التي لم يعكر صفو أفكارها ميل أو هوى . . .